لابن المققفع
الكتاب : مختارات من أدب العرب الجزء الأول
لأبي الحسن علي الندوي
فبينما الغراب في كلامه إذ أقبل نحوهم ظبي يسعى. فذعرت منه السلحفاة فغاصت ني الماء وخرج الجرذ إلى جحره وطار
الغراب فوقع على شجرة ، ثم إن الغراب حلّق في السماء لينظر هل للظبي طالب؟ فنظر
فلم ير شيئا ، فنادى الجرذ والسلحفاة ، وخرجا ، فقالت السلحفاة للظبي حين راته ينظرإلى
الماء : اشرب إن كان بك عطش ، ولا تخف فإنه لا خوف عليك . فدنا الظبي فرحّبت به السلحفاة
وحيّته ، وقالت له : من أين أقبلت؟ قال : كنت أسنح بهذه الصحاري فلم تزل الأساورة تطردني من مكان إلى مكان ، حتى رأيت اليوم شبحا
، فخفت أن يكون قانصا . قالت : لا تخف فإنا لم نر ههنا قانصا قط ، ونحن نبذل ودّنا
ومكاننا ، والماء والمرعى كثيران عندنا فارغب
في صحبتنا٠ فأقام الظبي معهم وكان لهم عريش يجتمعون فيه ، ويتذاكرون الأحاديث
والاخبار.
فبينما الغراب والجرذ والسلحفاة ذات يوم في العريش ، غاب الظبي فتوقعوه
ساعة ، فلم يأت ، فلما أبطأ أشفقوا أن يكون قد أصابه عنت فقال الجرذ والسلحفاة
للغراب : انظر هل ترى مما يلينا شيثأ؟ فحلّق الغراب في السماء ، فنظر ، فلذا الظبي
في الحبائل مقتنصا ، فانقضّ مسرعا فأخبرهما بذلك فقالت السلحفاة والغراب للجرذ :
هذا أمر لا يرجى فيه غيرك فأغث أخاك ، فسعى الجرذ مسرعا فأتى الظبي فقال له : كيف
وقعت فى هذه الورطة وأنت من الأكياس؟ قال الظبي ، هل يغني الكيس مع المقادير شيئا؟
فبينما هما في الحديث إذ وافتهما السلحفاة، فقال لها الظي : ما أصبت بمجيئك إلينا
: فإن القانص لو انتهى إلينا وقد قطع الجرذ الحبائل استبقته عدوا ، وللجرذ
أجحاركثيرة ، والغراوب يطير وأنت ثقيلة لا سعي لك ولاحركة ، وأخاف عليك القانص ،
قالت : لا عيش مع فراق الأحبة وإذا فارق الأليف أليفه فقد سلب فؤاده ، وحرم سروره
وغشّي بصره ، فلم ينته كلامها حتى وافى القانص ، ووافق ذلك فراغ الجرذ من قطع الشرك
، فنجا الظبي بنفسه ، وطار الغراب محلقا ودخل الجرذ لبعض الأجحار . ولم يبق غير
السلحفاة ودنا الصيّاد فوجد حبالته مقطعة ، فنظر يمينا وشمالا فلم يجد غير السلحفاة
تدب. فأخذها وربطها فلم يلبث الغراب والجرذ والظبى أن اجتمعوا فنظروا القانص قد
ربط السلحفاة فاشتد حزنهم ، وقال الجرذ : ما أرانا نجاوز عقبة من البلاء إلا صرنا
فى أشد منها ولقد صدق الذى قال : لايزال الإنسان مستمرا في إقباله مالا يعثر ، فإذ
عثر لجّ به العثار ، وإن مشى في جدد الأرض : وحذري على السلحفاة خير الأصدقاء التي
خلّتها ليست للمجازاة ولا لالتماس مكافأة ، ولكنها خلّة الكرم والشرف خلة هي أفضل
من خلة الوالد لولده خلّة لا يزيلها إلا الموت ، ويح لهذا الجسد الموكل به البلاء
الذي لا يزال فى تصرف وتقلب ، ولا يدوم له شيء ، ولا يلبث معه أمر كما لا يدوم للطالع
من النجوم طلوع ، ولا للآفل منها أفول لكن لا يزال الطالع منها آفلا والآفل منها
طالعا ، وكما تكون آلام الكلوم وانتقاض الجراحات ، كذلك من قرحت كلومه يفقد إخوانه
بعد اجتماعه بهم. فقال الظبي والغراب للجرذ : إن حذرنا وحذرك وكلامك وإن كان بليغا
كل منها لا يغني عن السلحفاة شيئا . وإنه كما يقال : إنما يختبر الناس عند البلاء
، وذو الأمانة عند ولأخذ والعطاء ، والأهل والولد عند الفاقة كذلك يختبر الإخوان
عند النوائب . قال الجرذ : أرى من الحيلة أن تذهب أيها الظبي! فتقع بمنظر من القانص
كأنك جريح ويقع الغراب عليك كأنه يأكل منك واسعى أنا فأكون قريبا من القانص مراقبة
له لعله أن يرمي ما معه من الآلة ويضع السلحفاة ويقصدك طامعا فيك ، وراجيا تحصيلك
، فاذا دنا منك ففرّ عنه رويدا بحيث لا ينقطع طمعه منك ومكّنه من أخذك مرة بعد مرة
حتى يبعد عنا وانح منه هذا النحو ما استطعت : فإني ارجو ألا ينصرف إلا وقد قطعت
الحبائل عن السلحفاة وأنجو بها ، ففعل الغراب والظبي ما أمرهما به الجرذ ، وتبعهما
القانص فاستحرّه الظبي حتى أبعده عن الجرذ والسلحفاة ، والجرذ مقبل على قطع الحبائل
حتى قطعها ونجا بالسلحفاة ، وعاد القانص مجهودا لاغبا فوجد حبالته مقطعة ففكر في
أمره مع الظبي المتظلع فظن أنه خولط في عقله ، وفكر في أمر الظبي والغراب الذي
كأنه يأكل منه ، وقرض حبالته ، فاستوحش من الأرض وقال : هذه أرض جن أو سحرة فرجع موليا
لايلتمس شيئا ولا يلتفت إليه ، واجتمع الغراب والظبي والجرذ والسلحفاة إلى عريشهم سالمين
آمنين كأحسن ما كانوا عليه.
فإذا كان هذا الخلق مع صغره وضعفه قد قدر على التخلص من مرابط الهلكة
مرة بعد أخرى بمودته وخلوصها وثبات قلبه عليها واستمتاعه مع أصحابه بعضهم ببعض ،
فالإنسان الذي قد أعطي العقل والفهم ، وألهم الخير والشر ، ومنح التميز والمعرفة
أولى وأحرى بالتواصل والتعاضد ، فهذا مثل إخوان الصفاء وائتلافهم في الصحبة .

خارج الموضوع تحويل الاكوادإخفاء الابتساماتإخفاء